عاجل بوست عاجل بوست
الرئيسية

آخر الأخبار

الرئيسية
جاري التحميل ...

الانقلاب في تركيا… الحيثيات والارتدادات

نسعى في هذه الورقة لتعميق النظر في المحاولة الانقلابية الأخيرة التي شهدتها تركيا محاولين ربط الاحداث التي عاشتها البلاد خلال السنوات الثلاث الأخيرة خصوصا مع هذه المحاولة. في هذه الورقة نحاول أيضا الوقوف على الجهات التي يمكن ان تكون ذات علاقة بهذه المحاولة من داخل حزب العدالة والتنمية إلى جانب التطرق للبعد الدولي خلال هذه العملية وانعكاساتها على تركيا وعلى الوضع الاقليمي في المنطقة.
تكشف الملاحظة الدقيقة والمتابعة الحثيثة لتفاصيل الأحداث ليلة الخامس عشر من تموز إثر المحاولة الانقلابية في تركيا عن وجود تخطيط مسبق ومحكم لتنفيذ مثل هذه المحاولة لكننا أيضا وبالتدقيق أكثر في التفاصيل نلاحظ أن هذه المحاولة تمت دون الاستعداد الكافي وتم تنفيذها قبل وقتها المقرر.
ومن أبرز الشواهد على هذه المحاولة قصور المنفذين للانقلاب من الناحية العملياتية فمثلا لاحظنا احتلالهم لمبنى قيادة هيئة الأركان التركية ولمبنى التلفزيون التركي الرسمي وفي الوقت الذي يوجد فيه في تركيا مئات القنوات التلفزيونية الموالية للحكومية يمكننا القول أن احتلال مبنى التلفزيون كانت خطوة دون معنى إذ إن المنطقي في مثل هذه الحالة السعي للسيطرة على القمر الصناعي التركي توركسات ومركزه في أنقرة وبث كافة أشكال البث الفضائي في تركيا وهو الأمر الذي بدأ تنفيذه متاخرا خلال ساعات العملية الانقلابية في ما بعد الساعة الثانية بعد منتصف الليل وهو الوقت الذي كان الانقلابيون فيه قد خسروا العديد من المواقع المهمة التي أشغلوها بينما جرى تامين مبنى القمر الصناعي ومركزه بشكل جيد من قبل القوى الأمنية ففشلت المحاولة المتأخرة للسيطرة عليه.
ثانيا لاحظنا أيضا عجز المخططين للانقلاب عن وقف خدمات الانترنت والاتصال الهاتفي في تركيا على الرغم من استهداف مقار شركات الهواتف النقالة وبعض مراكز البيانات المزودة لخدمات الانترنت ولكن يبدو أن هذه الخطوات كانت مرتجلة وسريعة دون تخطيط كاف ودون تنفيذ فعال أيضا.
ثالثا لاحظنا أيضا أن الكثير من العناصر المشاركة في الانقلاب (باستثناء القيادات العسكرية التي لم يكن لها وجود ميداني فعلي بل اكتفت بالتخطيط وتوجيه الأوامر من اعلى) لاحظنا أن هذه العناصر لم تكن معدة بالقدر الكافي لمثل هذه محاولة فمثلا خسرت بعض الوحدات العسكرية مواقعها في التلفزيون التركي مثلا من خلال مقاومة مدنيين بمشاركة قوات الأمن ودون تبادل مؤثر لاطلاق النار مع أنهم كانوا مسلحين جيدا وهو ما يعني أن عملية توزيع العناصر على المواقع الحساسة خلال المحاولة جرت بشكل مستعجل نسبيا ودون التأكد مع استعداد هذه العناصر للتعامل مع الظروف التي يمكن أن تواجهها في المواقع التي تم إرسالها إليها على عكس العناصر التي احتلت مبنى قيادة الاركان للجيش التركي والتي من الواضح انها كانت معدة منذ وقت أطول لمثل هذه العملية ومختارة بشكل جيد حيث كانت آخر الوحدات المشاركة بالانقلاب استسلاما فبقيت مسيطرة على المبنى حتى الساعة الثانية من ظهر اليوم التالي للانقلاب تقريبا.
هذا الأمر يطرح على المحلل السياسي لهذه العملية تساؤلا مهما وهو ” هل تم استدراج المخططين للانقلاب في وقت أبكر من ساعة الصفر التي حددوها مسبقا؟ وهنا يمكننا وقبل توضيح ذلك ان نجيب بنعم. لقد تم استدراجهم لتغيير توقيت العملية قبل الوقت المحدد وعلى الرغم من أن بعض الخبراء الاتراك يقولون أن ساعة الصفر كانت في الثالثة من فجر يوم 16/7/2016 وتم تقديم الموعد خمس ساعات تقريبا إلا اننا نعتقد كما سنوضح هنا ان الموعد كان أبعد من ذلك بكثير كون مؤشرات الضعف في هذه العملية لا يمكن تجاوزها خلال ساعات بل تحتاج عمليا لأشهر على الأقل من الاستعداد.
وهنا ومن خلال تأكدنا من معرفة جهات دولية عدة مثل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وحلف الناتو بهذا الموعد للعملية إضافة للأدلة التي سنوردها تاليا يمكننا القول إن القيادة السياسية التركية على الأقل كانت مطلعة تماما على عملية الإعداد لهذه المحاولة دون أن تقف بشكل مؤكد على الموعد المحدد لها فيما عمل رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان وفريقه الذي أظهر ذكاءا حادا خلال العملية برأينا على استدراج هذه العناصر لتنفيذ المحاولة في موعد أقرب أي جر المتورطين من الجيش في المعركة التي حدد هو وقتها وعناصرها مما يساعده وساعده كما راينا في السيطرة بشكل فعال وناجع على هذه الاحداث .. فكيف تم ذلك؟
كان من المفترض أن يتم في الأسبوع الجاري أي بعد المحاولة الانقلابية بأيام عقد اجتماع للمجلس الاستشاري العسكري الاعلى في تركيا وهو المجلس المسؤول عن اقالات وتعيينات القيادات العليا للجيش فتم حسب رأينا تسريب خبر تناقلته بعض وسائل الإعلام عن نية المجلس اقالة بعض قيادات الجيش وأغلبها تلك القيادات التي تورطت في هذه المحاولة وهو ما يعني استحالة ان تستطيع هذه الجهة تنفيذ مثل هذا المخطط في المستقبل مما فرض عليهم الاستعجال بتنفيذ المخطط قبل موعد الاجتماع وهو ما يعني التخلي عن الكثير من الاستعدادات اللازمة وبالتالي أن يدخلوا المعركة وهم في حالة أضعف…
وبالإمعان أكثر في تفاصيل المشهد التركي ومنذ اندلاع الصراع بين قيادة تركيا السياسية بزعامة رجب طيب أردوغان وجماعة فتح الله غولان اعتبارا من شهر أيار في العام 2013 نتذكر أن الرئيس التركي حذر وصرح منذ ذلك الوقت أن عملية دعم هذا التنظيم لاحداث حديقة النزهة” غزي بارك” هي عبارة عن محاولة انقلابية على النظام في تركيا وهي التصريحات التي أكدها بشكل أكثر أيضا خلال العملية الأمنية التي تمت في 19/12/2013 والتي استهدفت أبناء أربعة وزراء والعديد من المسؤولين في الحكومة التركية والحزب الحاكم بتهم تتعلق بالفساد وغسيل الاموال مما زاد من حدة الصراع بين الطرفين منذ ذلك الوقت حيث اعتبر أردوغان هذه العملية محاولة انقلابية تستهدفه شخصيا من خلال ربط هؤلاء المتورطين بالفساد بحكومته في ذلك الوقت وهنا ينبغي أن نعترف ان تصريحات أردوغان كانت في محلها وأن النية كانت موجودة لدى تنظيم فتح الله غولان لتنفيذ محاولة انقلاب قد يكون هذان الحدثان أعلاه تمهيدا لها من خلال ما اتضح خلال هذه الأحداث.
هنا ينبغي علينا أن ننتقل بتركيا إلى الأول من أيار من العام الجاري 1/5/2016 حيث هزت الأوساط الإعلامية والسياسية التركية وثيقة ظهرت على الانترنت بشكل مفاجئ حملت اسم ” ملف بليكان”* أو ” ملف البجع” وهو اسم لفيلم أمريكي اختارته الجهة التي اصدرت الوثيقة عنوانا لها وعلى الرغم من أهمية هذه الوثيقة البالغة كما سنوضح لاحقا إلا أنها لم تلق أي اهتمام أو تغطية كافية من الإعلام العربي.
وقبل أن نوضح الجهة التي يمكن أن تكون قد أصدرت هذه الوثيقة ننقلكم مباشرة إلى مقدمتها والتي تبدأ بالعبارات التالية:” ليكن سلاما…. لقد تحدث فريق (الدكتور) بما يكفي.. ولقد ساهم الدكتور ورفاقه في اضطراب الأوضع بما يكفي أيضا والآن ألم يحن لأنصار (الريّس) أن يتكلموا؟… في الحقيقة هناك قلة من الأشخاص يعرفون ما الذي يحصل… مثل الكابوس .. مثل أن تصرخوا وسط الجميع ولا يسمعكم أحد… مثل أن جريمة تتم وسط الجميع ولا يراها أحد… إن ما أشعر به أن كل شيء أمام الجميع ولكن لا يراه أحد ولو اختار الناس رؤية ما هو أمامهم لما كان هناك داع لان اكتب هذه الورقة…. أيها السيدات والسيادة هذه بلد الدهشة…هذه بلد لا يمكن ان تروا ما فيها من خلال النظر بشكل سطحي .. هذه دولة تلعب بها القوى العظمي كأحجار الشطرنج … هذه الدولة لا يمكن ان تصبح جنة من خلال ايقاعكم بخلية هنا او خلية هناك فكلما أمسكتم(خائنا) أرسلوا غيره… لن يتركونا بحالنا بشكل سهل وعند اللزوم قد يجعلونا في مواجهة من هم منا في الأصل من أجل ذلك افتحوا عيونكم وانظروا بشكل جيد إلى الذي يحصل حولكم…”
هذه الوثيقة التي أنتم بصدد الاطلاع أيها السادة وعندما صدرت في الأول من أيار 2016 أحدثت ضجة كبيرة في الأوساط السياسية والإعلامية التركية ودار نقاش وجدل كبير حول صحتها والجهة التي كتبتها حيث تناولت معلومات تفصيلية عن طبيعة الخلاف بين أحمد داوود أوغلو وأردوغان وتحمل (نقدا) شديدا لأحمد داوود أوغلو وسياساته واختتمت بعبارة تهديدية واضحة لأحمد داوود أغلو نصها” هذه هي المعركة وأنتم تعرفون من الخاسر فيها ومن الرابح…” وعندما سئل داوود أوغلو عن رأيه بهذا الملف قال:” أنا لا أهتم إلا للملفات التي تكتبها الملائكة”.
وفي تفاصيل الورقة أو الملف فقد تناولت على شكل نقاط أبرز مسائل الخلاف داخل الإدارة السياسية في تركيا من وجهة نظر الرئيس رجب طيب أردوغان وهنا أقدم ملخصا لأبرز هذه النقاط:
1. عدم وفاء أحمد داوود أوغلو لوعوده للرئيس أردوغان بصياغة النظريات التي ستكون قاعدة للانتقال نحو النظام الرئاسي فداوود أوغلو هو القادر على التنظير فكريا لمثل هذا التحول في النظام السياسي التركي إلا أنه وبدل ذلك تعامل مع هذه القضية بفتور شديد خلال الدعاية الانتخابية ولم يتناولها مطلقا وهنا تشير الوثيقة إلى أن أردوغان جعل داوود أوغلو رئيسا للوزراء على الرغم من مجيئة ثالثا (عبد الله غول الأول وبن علي يلدرم الثاني) في استفتاء التوجهات داخل حزب العدالة والتنمية لقياس الرأي العام داخل الحزب حول الشخصية المفضلة لتولي المنصب بعد أن يصبح أردوغان رئيسا للوزراء.
ومن الجيد هنا أن نورد مقتطفات من الملف المذكور عند الحديث عن هذه القضية:” لم يجعل الريّس عبد الله غول رئيسا للوزراء. فكان لدية أصدقاء انجليز وسيمون وزوجة ثورية تحب “حريّت” وتكره الريّس وعائلته… ولم يجعل بن علي يلدرم رئيسا للوزراء رغم أنه أحد أتباع الرّيس ولم يكن مزيّفا وهو ناجح ومحبوب داخل الحزب لكنه يفتقد للكاريزما اللازمة وكانوا سيعاملونه مثل الدمية… أما داوود أوغلو فهو ذي حديث جميل وإطلالة حسنة وطازج في الميدان السياسي وعمل لسنوات طويلة مع الريّس.. نعم كان متكبرا ومتكبرا جدا وكان يعرف كل شيء إلا أنه كان يعرف كل شيء نظريا أما عند التطبيق فقد كان فاشلا وعلى سبيل المثال.. سوريا…” وتواصل الورقة:” كان أردوغان يظن أن داوود أوغلو لا يمكن أن يتصالح مع التنظيم الموازي ومع مجموعة دوغان الإعلامية وأنه مؤهل لانتاج النظريات الخاصة بالنظام الرئاسي بسبب خلفيته الأكاديمية وهما الأمران الذي حصل أردوغان من داوود أوغلو على وعود بخصوصهما… داوود أوغلو وافق أو تظاهر بالموافقة لا نعرف لكن فريق مستشاريه المدهشين لم يوافقوا وكلهم متعلمون والدكتور أيضا متعلم ولكن الريّس قاسم باشالي .. ولو جاء هذا الفريق “المتعلم” وذهب الرئيس لما أصبح للدولة طعم ولتفاهموا مع الجميع وضحوا بالريّس ثم ستصبح الدولة مثل القطايف” وهنا ينبغي أن نلفت الانتباه ومن خلال النص أعلاه أن الوثيقة تتهم أحمد داوود أوغلو بالسعي للتوافق مع “الجميع” أي جماعة غولان والمنظمات المعارضة والإطاحة بالرئيس رجب طيب أردوغان فهل يمكن أن نربط ذلك بما حصل في 15/7 أي بالمحاولة الانقلابية الفاشلة.. سنوضح ذلك في ما تبقى من هذا التحليل.
2. تهاجم الورقة التحالف بين أحمد داوود أوغلو ومدير المخابرات التركية هاكان فيدان ومحاولة داوود أوغلو ترشيح فيدان للانتخابات النيابية دون موافقة أردوغان لفتح المجال أمام أدوار سياسية لمدير المخابرات التركية وهو الامر الذي أعاقه أردوغان وأجبر فيدان على التراجع عن الترشح للانتخابات والعودة لوظيفته مديرا للمخابرات بعد أن استقال من هذه الوظيفة لمدة أيام من أجل الترشح. وهو ما يظهر لنا أيضا الخلافات بين أردوغان ورئيس مخابراته منذ تلك الفترة.
3. من نقاط الخلاف الجوهرية هو إعلان أحمد داوود أوغلو لحزمة قوانين الشفافية والتي أعلنها بنفسه للرأي العام التركي والتي تهدف ” حسب الوثيقة” إلى تنحية الفريق الاقتصادي للرئيس رجب طيب أردوغان حيث يواجه الكثير منهم تهما بالفساد.
4. حاول داوود أوغلو أيضا إحالة الوزراء الأربعة المتهمين بالفساد في إطار عملية 25/ كانون الثاني للديوان العالي ودفع البرلمان للتصويت على هذا القرار مقنعا إياهم أن هذه الوسيلة هي الوحيدة لتبرأتهم أمام الرأي العام فيما تتهم الورقة داوود أوغلو أن هدفه من هذه الخطوة هو أردوغان الذي وفر الحماية لهؤلاء الوزراء الأربعة وتقول بوضوح:” تعرفون أن المسألة ليست مسألة أربعة وزراء وإنما هي الريّس بذاته”. وهنا تجدر الإشارة أن القضايا التي اتهم بها هؤلاء الوزراء شملت أيضا بلال أردوغان نجل الرئيس رجب طيب أردوغان.
5. تتهم الوثيقة داوود أوغلو بمحاولة جني ثمار عملية الحل السلمي مع الأكراد والتي كان أردوغان قد أوقفها في سياق خسارة الأغلبية المريحة في انتخابات 7/ حزيران/ 2015 قبل إجراء انتخابات مبكرة في تشرين الثاني واستعادة هذه الأغلبية. وكان داوود أوغلو قد أعلن أنه على استعداد للعودة للتفاوض بخصوص هذه القضية في حال قام حزب العمال الكردستاني بإعادة إلقاء السلاح ووقف عملياته في الأراضي التركية. وهنا تجدر الإشارة أن رفض أردوغان لمثل هذه الخطوة ليس رفضا من حيث الفكرة لمسألة الحل السلمي ولكنه فهم أنها محاولة من داوود أوغلو لاكتساب غطاء ومشروع محلي قد يوفر له دعما دوليا.. برأينا أن مشكلة داوود أوغلو خلال رئاسته للوزراء أنه لم يكن يمتلك مشروعا على الرغم من سعيه لذلك.
6. تتهم الورقة بموافقة داوود أوغلو على التصريحات التي صدرت عن بولنت أرينتش” كان نائبا لرئيس الوزراء أردوغان ونائبا لأحمد داوود أوغلو وهو أحد أبرز مؤسسي حزب العدالة والتنمية” وهاجمت الرئيس رجب طيب أردوغان بل وتزيد على ذلك أن داوود أوغلو اتصل بأرينتش بعد هذه التصريحات وباركها له.
7. وفي آخر النقاط المحلية ذات الأهمية تتهم الوثيقة داوود أوغلو بتأسيس إعلام مناصر له محسوب على حزب العدالة والتنمية كون الوسائل الإعلامية الأخرى المقربة من الحزب مناصرة لرجب طيب أردوغان لذلك قام مستشارو داوود أوغلو بدفع بعض الصحفيين بتأسيس صحيفة ” قرار” والإنفاق عليها من مخصصات رئاسة الوزراء.
8. تنتقل الورقة للبعد الدولي من الخلافات وأول هذه الأبعاد قيام أحمد داوود أوغلو بتوقيع الاتفاقية الخاصة باللاجئين والخاصة بإلغاء التأشيرة عن المواطنين الأتراك دون استشارة أردوغان أو قبوله بذلك ومن ما عزز الخلاف عقب هذا التوقيع تصريحات رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز التي قال فيها:” نحن لم نوقع الاتفاقية مع أردوغان بل وقعناها مع داوود أوغلو ومع الحكومة وهم ما يمكننا أن نتحادث معهم لانهم يتمتعون بالجدية..” هذه التصريحات والتي اشتملت على اتهام شولتز لأردوغان بأنه ديكتاتوري لم يصدر تجاهها أي رد فعل من داوود أوغلو. من الواضح من خلال حرص داوود أوغلو على توقيع هذه الاتفاقية سعيه للحصول على غطاء أوروبي إلى جانب الغطاء والمشروع المحلي كما ذكرنا أعلاه بخصوص مسألة الحل للأزمة الكردية.
9. تستنكر الورقة طلب داوود أوغلو لقاء الرئيس الأمريكي أوباما لعد لقاء أردوغان معه بشهر واحد (رفض طلب أردوغان لقاء أوباما أكثر من مرة قبل الموافقة على عقد لقاء غير رسمي بين الرئيسين) ملمحة إلى سعي داوود أوغلو للحصول على غطاء أمريكي أيضا ومن اللافت للانتباه هنا أن الولايات المتحدة وافقت على عقد لقاء بين داوود أوغلو وأوباما مباشرة ودون أية معيقات (لم يتم اللقاء بسبب إقالة أو استقالة أحمد داوود أوغلو في 5/5/2016).
من الذي كتب هذه الورقة؟
لا يمكن الإجابة على هذا السؤال بشكل قطعي وعلى الرغم تداول الإعلام للعديد من الأسماء التي قد تكون كتبتها إلا أن المؤكد في هذا الموضوع أن كاتب ” ملف البجع” أو ملف بليكان هو شخص مقرب من أردوغان وأن كل ما ورد فيها كان بموافقة وإطلاع وربما بإملاء من أردوغان… وهنا نشير إلى أنه لم يصدر عن رئاسة الجمهورية أي نفي أو رفض لما جاء في الوثيقة. نعيد ونذكر أن هذه الوثيقة نشرت بعد يوم واحد من قرار لجنة حزب العدالة والتنمية المركزية سحب صلاحيات تعيين رؤساء فروع الحزب في المدن من داوود أوغلو وتكليف اللجنة كاملة بهذه المهمة في ورقة وقع عليها 48 شخص عضو في اللجنة من أصل 51 قبل أن ينظم داوود أوغلو للموقعين وهو ما يعني سحب أي تأثير لداوود أوغلو من داخل الحزب ليتم بعد ستة أيام إعلان أحمد داوود أوغلو عن استقالته.
تظهر هذه الورقة بشكل واضح جدا اتهام رجب طيب أردوغان رئيس وزرائة أحمد داوود اوغلو بمحاولة الانقلاب عليه أو تحييده عن الحكم في تركيا وأشارت إلى خطوات أحمد داوود أوغلو نحو محاصرة حضول رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان مبرزة محاولة أحمد داوود اوغلو الحصول على غطاء أوروبي من خلال اتفاقية اللاجئين واتفاقية إلغاء التأشيرة والمديح الاوروبي المتواصل له حتى إن رئيس البرلمان الاوروبي صرح بأن الاتحاد وقع هذه الاتفاقية (الخاصة باللاجئين) مع أحمد داوود اوغلو ومع رجب طيب اردوغان. وتوضح أيضا سعي داوود اوغلو للحصول على غطاء أمريكي من خلال الاهتمام الذي منحه أياه البيت الأبيض واعطاءه موعدا في حزيران قل شهر من إقالته للقاء الرئيس أوباما على الرغم من ان أردوغان لم يحصل في شهر نيسان على مثل هذا الموعد إلا بشق الأنفس وبعد محاولات عدة نجم عنها منحه لقاءا غير رسمي مع الرئيس الأمريكي. وسعى داوود اوغلو أيضا للحصول على غطاء محلي من خلال النقطة الأبرز في السياسية التركية المحلية والاقليمية وهي قضية الحل السلمي معبرا عن استعداده للعودة للتفاوض دون أن يوافق أردوغان على كل ذلك وهو ما قرأه أردوغان جيدا… لقد كان احمد داوود أوغلو يعمل على سحب البساط من تحت أقدام أردوغان وتحت عين ونظر أوروبا وأمريكا.
نعود هنا إلى الربط بين حكاية أحمد داوود أوغلو وما حصل في 15/ تموز فبعد كل هذه التفاصيل قد يمكننا القول أن الاستعداد لهذه المحاولة الانقلابية بدأ في العام 2013 من خلال وضع الأرضية لها في أحداث حديقة غزي وأحداث العملية الأمنية ضد الوزراء في الحكومة فهل كان أحمد داوود أوغلو وحلفاؤه داخل الحزب مثل عبد الله غول وبولنت أرينتش وخاقان فدان جزءا من هذا الانقلاب الذي جرى بعد إقالة داوود أوغلو بشهرين ونصف!! على الأقل كان الانقلابيون واعين تاما لهذه الخلافات داخل الإدارية السياسية في حزب العدالة والتنمية وبالتالي الاستفادة من هذه الخلافات وتنفيذ الانقلاب خلال وجود أحمد داوود أوغلو في رئاسة الوزراء. أردوغان بذكائه وحنكته السياسية قطع الطريق على مثل هذا التقارب أو التحالف من خلال الإطاحة بأحمد داوود أوغلو في 5/ أيار /2016 أي قبل تنفيذ هذه العملية بشهرين وخمسة أيام. نعم وكما تظهر لنا وثيقة ملف البجع لقد كان أردوغان مدركا لكل شيء وما إقالة أحمد داوود اوغلو السريعة وغير المتوقعة إلا ضربا للجانب السياسي الذي من المحتمل أن يتحالف مع المحاولة الانقلابية والذي كان يمكنه أن يمنحها الشرعية السياسية والمحلية من خلال التفاهم معها بعد استهداف أردوغان إلا أن دورها انتهى في هذه العملية بعد خروج هذا الفريق من الحكومة وفقدانه لمثل هذه الشرعية. هذه النقطة تجيب على التساؤل الدائر حاليا عن الطرف الذي كان سيمثل هذا الانقلاب سياسيا لو نجح. الإجابة هي أن أردوغان وعن معرفة كاملة قضى على أي تمثيل سياسي (محتمل) في الخامس من أيار الماضي من خلال دفع أحمد داوود أوغلو لتقديم استقالته.
هنا يمكننا أن نفهم الانفعال الزائد وغير المعتاد لأحمد داوود اوغلو ( الرجل الذي يبتسهم حتى في الجنائز) وعبد الله غول (الرجل الذي لا يمكن ان تراه غاضبا) خلال تصريحاتهم بعد هذه المحاولة وكما لو كان هذا الغضب من أجل تبرئة ساحتهم من هذه المحاولة التي تشير القرائن والدلائل لعدم وقوفهم بعيدا عنها على الرغم من غياب دورهم خلال عملية الخامس عشر من تموز والتي تمت بدونهم. بولنت أرينتش أيضا غير بعيد عن هذه الأحداث فهو معروف بعلاقاته (وليس تبعيته) مع جماعة فتح الله غولان وكان يدفع دائما باتجاه إعادة التفاهم معها وهو يشكل أحد أضلاع المحور المعارض لأردوغان داخل الحزب والإدارة السياسية في تركيا والذي يتشكل من أحمد داوود اوغلو وعبد الله غول وبولنت أرينتش وهاكان فيدان رئيس المخابرات العامة. بولنت أرينتش تأخير في الإعلان عن رد فعل واضح تجاه المحاولة الانقلابية وبقي صامتا حتى 22/7/2016 عندما خرج بتصريح مسجل بالفيديو قائلا”: لكنت كنت مخطئا يمكنكم أن تقولوا أنني كنت أحمقا لم أكن أعرف أن منظمة فتح الله غولان منظمة إرهابية” في محاولة واضح لتبرئة نفسه والتي نرى أنها لم تكن ناجحة. هذه التصريحات لبولنت أرينتش رد عليها مدعي عام الجمهورية في مدينة مانيسا عاكف جلال الدين شيمشيك قائلا:” إن الأشخاص الذين قدموا الدعم لهذه المنظمة بدأوا بالخروج ومحاولة الادعاء أنهم لم يكونوا يعرفون شيئا وبعضهم يقول أنه كان أحمقا ولم يكن مطلعا على حقيقة المنظمة الإرهابية. لن نقبل بذلك وسنحاسب كل من دعم هذه المنظمة ودعمها وتحالف معها…”
هل مدير المخابرات العامة متورط أيضا؟
الخلافات بين هاكان فيدان وأردوغان ظهرت خلال عملية الترشيح للانتخابات النيابية التي جرت في 7/6/2015 في محاولة من فيدان للانتقال للعب أدوار سياسية أبرز وهو الامر الذي أعاقه ورفضه أردوغان وبالانتقال إلى أحداث 15/7 تشير كافة المعلومات أن رئيس المخابرات لم يقم بإعلام الرئيس رجب طيب أردوغان بالمحاولة الانقلابية وتوقيتها على الرغم من عقده في تمام الساعة الرابعة قبل موعد تنفيذ العملية بست ساعات مع قائد الجيش التركي وأردوغان صرح اليوم 22/7/2016 أن فيدان لم يتصل به ولم يبلغه بالتطورات بل وإنه لم يجب على الاتصالات الهاتفية للرئيس رجب طيب أردوغان أو لرئيس الحكومة بن علي يلدرم خلال ساعات الأحداث وبدأت الآن تصدر بعض الأصوات داخل حزب العدالة والتنمية ( على لسان النائب شامل طيار مثلا) لإقالة هاكان فيدان رئيس المخابرات وخلوصي أكار قائد الجيش.
كل هذه التفاصيل تشير إلى أن العملية الانقلابية الأخيرة لم تكن ببعيدة عن بعض الأطراف في حزب العدالة والتنمية وقيادة الجيش والمخابرات التركية وهنا نتوقع أن الموجة الثانية من عمليات الاعتقال قد تنتقل لداخل الحزب إلا في حالة واحدة وهو أن يقرر أردوغان أن يتعامل مع هذه الأسماء بطريقة مختلفة مكتفيا بابعادهم واقالتهم من مواقعهم خصوصا قائد الجيش ورئيس المخابرات ودفع الثلاثي غول وداوود أوغلو وأرينتش للخروج من الحياة السياسية وذلك بهدف منع حصول أية ارتدادات سلبية داخل الحزب.
السياق الدولي ودور الولايات المتحدة
دوليا يجب علينا أن نعي أن السياق الإقليمي والعالمي لا يمكن أن يتحمل أن تفتح أبواب جهنم في تركيا نحو الفوضى لذلك كان سياق هذه المحاولة الانقلابية من الجهة الامريكية هو إضعاف أردوغان فقط وليس الإطاحة به تمهيدا لدور أكثر مرونة للملفات الإقليمية ويبدو أن الولايات المتحدة بشكل أساسي والاتحاد الاوروبي استخدما أوراق احمد داوود اوغلو وفتح الله غولان لاضعاف أردوغان فقط مع أن هذه الأطراف قد ظنت لوهلة أنها مرشحة لتكون بديلة عن الرئيس. إضعاف أردوغان في تركيا محليا ولا يمكن لعاقل أن يعتقد أن أردوغان خرج قويا من هذه الأزمة التي بدأت منذ 2013 وانتهت بخسارته لأهم حلفائه في مؤسسات الجيش والقضاء أما إضعاف أردوغان إقليميا فهو يهدف لجعله أكثر مرونة في التعامل مع الملفات الإقليمية وخصوصا المسألة السورية والحرب على الإرهاب والعلاقات وأهم هذه النقاط المرونة في التعامل مع المسألة الكردية.
هنا يمكننا فهم طبيعة الموقف الأمريكي الهادف لإضعاف أردوغان وفي الإجابة على سؤال ” هل أمريكا دعمت الإنقلاب؟” يمكننا أن نجيب بنعم فقد دعمت أمريكا هذه المحاولة وأعطتها غطاءا ظن بسببه المنفذون أنهم مرشحون للإطاحة بأردوغان إلا أن أمريكا وفي الوقت ذاته أيضا لم تكن لتسمح بنجاح هذه المحاولة لانعكاساتها التي لا يمكن تحملها على الداخل التركي والتي قد تصل لحرب أهلية لا يمكن ضبطها وبسبب انعكاسات أي اضطراب أمني خطير في تركيا على الدول الإقليمية المجاورة والاتحاد الأوروبي وروسيا خصوصا وبذلك يمكننا فهم التدرج في التصريحات الأمريكية التي بدأت بتمني السلام لتركيا (تصريح كيري) وانتهت بإعلان الدعم الكامل للشرعية في تركيا هذا الموقف الأمريكي قد يلقي الضوء على كيفية نجاح أردوغان في مغادرة مرمريس قبل 15 دقيقة من تعرض مقر إقامته فيها للهجوم العسكري بريا والقصف جويا وكيفية نجاحه في الهبوط بطائرته في مطار أتاتورك في الوقت الذي كانت فيه الطائرات الحربية إف 16 تحلق في سماء اسطنبول لا يمكن أن ينجح أردوغان بذلك وهو الذي فقط التواصل مع مدير مخابراته وقائد جيشه (معتقل) أو (مختفي) وقواته الجوية قد انحاز قسم مهم منها لصالح الانقلاب… لا يمكن له أن ينجح في الهبوط في اسطنبول دون دعم لوجستي وعسكري أمريكي تم بعد التفاوض معه سريعا وهو في أشد حالاته ضعفا قبل حسم الإدارة الأمريكية موقفها لصالح الاستقرار في تركيا وبقاء رجب طيب أردوغان أردوغان ممثل هذا الاستقرار والأقدر على حمايته ولكن هذه المرة بشروط أمريكية. وهنا ينبغي أن نوضح أنه لا يعيب أردوغان الذي أثبت ذكاء وعبقرية سياسية غير مسبوقة أن ينصاع لموازين القوى الدولية ومتطلباتها وهو السياسي المدرك تماما لهذه الموازين وأهميتها ودورها. نعم لقد عرف أردوغان أن القوة أحيانا تكمن في الضعف فالسياسي الحصيف هو الذي يعرف متى يجب أن يكون ضعيفا ومتى يجب أن يقدم التنازلات مهما كانت ثقيلة فقد نجح أردوغان ومن خلال موقفه الصلب في مواجهة هذه العملية منذ العام 2013 وعبر محطاتها العديدة كما أوضحنا أعلاه في العبور بتركيا من أزمة كادت أن تطيح بها.
انعكاسات هذه العملية على الداخل التركي:
كما قلنا وعلى الرغم من نجاحه في البقاء صامدا فقد أدت هذه العملية لإضعاف أردوغان في تركيا محليا فقد خسر أهم حلفائه منذ وصوله للسلطة في الجيش والقضاء وبقية المؤسسات التركية والرابح الأكبر من هذه الأحداث هو التيار العلماني الأتاتوركي داخل الجيش وبقية مفاصل السلطة وهو التيار الذي لم يتورط الجسم الأكبر فيه في هذه المحاولة مستعدا لاستعادة قوته التي خسرها في إطار تحالف غولان – أردوغان وهنا يجب أن نشير إلى قرارات تعيين ثلاثة من هذا التيار والذين كانت تحالف غولان – أردوغان قد اتهمهم في القضية الانقلابية المعروفة باسم المطرقة حيث تم تعيين العقيد قهرمان ديكمان قائدا لقوات الجاندرما وتعيين العقيد يوسف كالالي قائدا لقوات الجاندرما في أنطاليا وذلك في أول التعيينات في القوات المسلحة بعد العملية الانقلابية وإقالة المتورطين فيها.
الآثار الجانبية لهذه الأحداث قد تنتقل أيضا لحزب العدالة والتنمية خصوصا في حال توجيه اتهام واضح لبعض المسؤولين في الحزب بالتورط بهذه العملية فيما من المتوقع أن تشهد المسألة الكردية في تركيا انفراجا على المدى المتوسط خصوصا وأن هذه القضية تعتبر اولوية بالنسبة للولايات المتحدة وعلى أردوغان أن يستعد لارتدادات استعادة الحوار مع الأكراد على الصعيد المحلي.
أما إقليميا فإن تركيا ستكون الآن مضطرة للسلوك بشكل متوافق مع التفاهمات الدولية – الدولية في المسألة السورية والمشاركة بشكل فعال في محاربة الإرهاب في سوريا وخصوصا تنظيم داعش واتخاذ خطوات ملموسة ومؤثرة من أجل محاصرة هذا التنظيم لوجستيا ووقف أي نشاطات داعمة له في مختلف المجالات على الأراضي التركية أو انتقالا منها.
إلى جانب ذلك ستكون تركيا مضطرة للتعامل بشكل أكثر مرونة مع القوات الكردية في سوريا والتي تلعب دورا محوريا بغطاء أمريكي وروسي في محاربة تنظيم داعش ولن يكون بمقدور تركيا بعد الآن وضع خطوط حمراء على الساحة السورية فيما يخص النظام أو فيما يخص الأكراد في سوريا والصيغة المستقبلية لهم في سوريا. أما على صعيد العلاقات مع روسيا فإنها ستشهد تقاربا أكبر ( أردوغان سيلتقي بوتين في أول 10 أيام من شهر آب المقبل) وستشهد مزيدا من التفاهمات وهو الأمر الذي سينعكس على الموقف التركي من بعض الأنشطة العسكرية في تركيا والدعم المقدم لبعض التنظيمات التي تعتبرها روسيا إرهابية وقد ينعكس أيضا على موقف تركيا من النظام السوري. إلى جانب ذلك ستسرع حالة الضعف هذه في مسألة التقارب التركي المصري حيث كانت الأيام التي سبقت هذه العملية قد شهدت العديد من التصريحات حول مثل هذا التوجه من الجانب التركي.

عن الكاتب

عبدالله عبدالله

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

عاجل بوست

2016